على لسان ناتالي أبو شهلة: "عشت حروبًا عديدة في غزة، لكن الأمر يختلف هذه المرة، فأنا أم لثلاثة أطفال"

التاريخ:

الدمار في أعقاب الغارات الجوية الإسرائيلية على غزة ، 11 أيار/ مايو 2021. الصورة: بإذن من مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية.

بعد أن عاشت معظم حياتها في دبي، انتقلت ناتالي أبو شهلة البالغة من العمر 43 عامًا إلى غزة في عام 2003. قررت هي وزوجها بناء حياة في مسقط رأسهما حيث عملت مع العديد من المنظمات الدولية بما في ذلك صندوق الأمم المتحدة للسكان والوكالة الأمريكية للتعاون والتنمية. ناتالي أم لابنتان تبلغان من العمر ستة وعشرة أعوام، وابن يبلغ من العمر عامين.

"كنا نعيش في شقة جميلة في الطابق التاسع من مبنى سكني وكانت تُطل مباشرة على بحر غزة. لقد عملنا جاهدين لمدة 17 عامًا لبناء ذلك البيت. كان المبنى يضم أكثر من 40 شقة، ولكل منها عائلة، وقصة وأمل في حياة أفضل. كنا نعيش حياة طيبة في تلك الشقة، راضين بالقليل من سبل الراحة التي يمكن لغزة أن توفرها.

بالأمس، وفي لمح البصر، تدمر منزلنا، وتلاشت معه كل الذكريات التي عشناها فيه، فقد احرقته غارة جوية إسرائيلية أصابت المبنى.

تلقينا تحذيرًا للإخلاء خلال 30 دقيقة. هرعنا من منزلنا بالملابس نفسها التي كنا نلبسها ، تاركين وراءنا كل شيء. لم يكن لدينا الوقت حتى لأخذ جوازات سفرنا. كيف يمكننا أن نحزم حياتنا كلها في 30 دقيقة بينما يلوح الموت فوقنا؟

ولكني أشعر أننا محظوظون لتلقينا هذا التحذير ولتمكننا من المغادرة دون أن نصاب بأذى. لم تنعم العديد من العائلات بهذا الحظ. فقد تم تحذير البعض، لكن لم يتمكن الجميع من التحرك بسرعة، وخاصة كبار السن. وفي الوقت نفسه، عانى البعض من محدودية الحركة وتعين حملهم/هن على ظهور أفراد أسرهم. تعرض مبنى آخر قريب للقصف الإسرائيلي مما أسفر عن مقتل عائلات بأكملها، معظمهم من النساء والأطفال. الأشخاص الذين رأيناهم بالأمس لم يعودوا موجودين اليوم. من الصعب فهم هذا الواقع.

نمكث حاليًا في بيت أهل زوجي حتى نجد مكان يأوينا .ونحن محظوظون في هذا الصدد أيضًا. فالعديد من العائلات تٌركوا بلا سقف فوق رؤوسهم. اكتظت الشوارع في الوقت الذي لا تزال تداعيات الجائحة تجتاح غزة.فعندما يحضر الموت، تبهت كل التهديدات الأخرى.

منذ أن عدت إلى غزة في عام 2003، عشت العديد من الحروب. كان لكل واحدة تحدياتها الخاصة التي كان علينا مواجهتها. لكن مع كل حرب، نعيش من جديد عملية التجريد والتهجير التي بدأت في حرب عام 1948. يعود كل شيء كما لو أنه لم يتوقف أبدًا. نشعر بالعجز وعدم القدرة على فعل أي شيء.

ولكن هذه المرة، أنا أم وعليّ حماية أطفالي الثلاثة من العنف ومساعدتهم على التأقلم مع فقدان منزلنا والدمار الهائل الذي تعرضت عائلتنا له. في محاولة لفهم ما يدور حولنا، يستمرون في طرح الأسئلة التي ليس لدي دائمًا إجابات عليها. يسألون إذا كان بإمكاننا العودة إلى ديارنا وإذا كان بإمكاننا الذهاب لأخذ أغراضنا. تواسي ابنتي الصغيرة نفسها لتمكنها من أخذ لعبتها المفضلة حيث التهمت النيران الألعاب الأخرى.

أخبرتني ابنتي الكبرى أننا لو متنا في ذلك الانفجار لكنا ذهبنا إلى الجنة بدلاً من البقاء في غزة. أحاول جاهدةً إقناعها بأن كل هذا سيمٌر قريبًا. أصيب ابني البالغ من العمر عامين بالحمى منذ بدء النزاع، ولا يمكنني اصطحابه إلى الطبيب. من الصعب على المرء أن يكون أمًا أثناء الحرب. ليس لدي القوة النفسية لأقف وأحضر الطعام لهم. ومع ذلك، أحاول أن أبقى هادئًة وأتحدث إليهم وأطمئنهم. حتى أنني ألقي النكات لأضحكهم. في البداية، كنت أقول لهم إن ما يسمعونه هو ألعاب العيد النارية. الآن بعد أن اقتربت النار منا، لم نعد نتحدث عن الألعاب النارية.

ذهبنا لرؤية المنزل اليوم. كان لا يزال متشعب بالنار. اختفت جميع الجدران والأعمدة وتحول المكان كله إلى سخام شديد السواد. لم نتمكن من استرداد أي شيء. أشك في أن منزلنا الذي أحببناه سيكون قابلاً للإصلاح وآمنًا للعودة إليه يومًا ما. حتى لو تمكنا من العودة، فلن يعود الأمر إلى ما كان عليه. فقد فقدنا إحساسها بالأمان إلى الأبد. وليس منزلنا المنزل الوحيد في غزة الذي اختفى. بالإضافة إلى الخسائر الإنسانية الرهيبة التي ألحقتها هذه الحرب بالشعب الفلسطيني في غزة في غضون أيام، فقد كان لها تأثير اقتصادي مدمر على الناجين. مثلنا، عمل الكثيرون طوال حياتهم للحصول على مكان يمكنهم أن يسموه بيتهم، والآن قد ولى.

لسنا بحاجة للمساعدة وللقسائم. ما نحتاجه هو أن نعيش أخيرًا في سلام وكرامة."