مقال رأي: كيف يمكن لإزالة أنقاض حرب غزة أن تفسح المجال أمام المساواة المبنية على النوع الاجتماعي بقلم هبة زيان

إذا انخرطت المرأة الفلسطينية في إزالة ركام الحرب لاستطاعت أن تكفل مشاركتها المشروعة في إعادة الإعمار وقيادة التغيير الاجتماعي.

التاريخ:

هبة زيان، مديرة المكتب الفرعي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة في غزة، لديها أكثر من 17 عامًا من الخبرة في مجال المساواة المبنية على النوع الاجتماعي وتمكين المرأة، وتتولى قيادة برنامج المرأة والسلام والأمن والعمل الإنساني في فلسطين.

الآن، وبعد أن سكتت أصوات القنابل في غزة، تبدأ جولة جديدة من إعادة الإعمار تدفعها عجلات الجهات المانحة الدولية والجهات التنموية الفاعلة. ولإعادة البناء، لا بد من إزالة ركام الحرب وحطامها. وقد تبدو عملية إزالة الأنقاض في ظاهرها عملية لا تتصل بالمساواة المبنية على النوع الاجتماعي، إلا أنها تمثل الخطوة الأولى نحو التنمية المستدامة والتي لا يمكن تحقيقها إلا إذا تمكن جميع سكان غزة، رجالًا ونساءً، من المساهمة فيها والاستفادة منها على قدم المساواة.

وبعد كل جولة من أعمال العنف، نسمع الديباجة عن عدم الرغبة في العودة إلى "الوضع الراهن" في غزة. ومع ذلك، فبعد أن ينقشع الغبار وتتلاشى موجة الاهتمام العارمة، دائمًا ما يعود سكان غزة إلى وضعهم/ن الراهن القاسي، وللحصار الخانق ولنقص التنمية والبطالة، على سبيل المثل لا الحصر. كل هذه المشاكل المزمنة يعيشها النساء والرجال والفتيات والفتيان على نحو مختلف. وفي خضم الاندفاع لإعادة بناء القطاع، عادة ما تنتهي الجهود الهادفة إلى إعادة الإعمار بإعادة إنشاء هياكل سبق أن أثبتت فشلها، مما يرسخ بعض من القسوة التي سعت تلك الجهود إلى تخفيفها. وعدم المساواة المبنية على النوع الاجتماعي مشقّة تجعل الظروف المعيشية الصعبة في غزة أشد وطأةً على النساء والفتيات.

وبينما يشرع سكان غزة والجهات المانحة والجهات التنموية في إزالة الأنقاض وإعادة بناء القطاع، تتاح الفرصة للقيام بالأمور على نحو مختلف وإعادة بناء مجتمع أكثر شمولًا وعدلًا ومساواةً وتماسكا. فإذا انخرطت نساء غزة في إزالة أنقاضها، وهي الخطوة الأولى في إعادة الإعمار، سيرسخ ذلك مشاركتهن المشروعة في جميع مراحل عملية إعادة الإعمار، وقيادة التغيير الاجتماعي وتحقيق تنمية أكثر إنصافا.

وحتى اليوم، اقتصر مفهوم إعادة البناء من منظور النوع الاجتماعي على حيز المناصرة إلى حد كبير، وكان تأثيره ضئيل في السياسة العامة، ويرجع ذلك إلى النظرة السائدة إلى المرأة على أنها ضحية للصراع وليس على أنها عنصر فاعل في جهود السلام والإعمار. لا تقتصر هذه الرؤية على التقليل من شأن المرأة كعناصر فعالة في المجتمع فحسب، بل إنها تتعارض معقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة 1325 بشأن المرأة والسلام والأمن، والذي علاوة على كونه اعترافًا عالميًا بأن الصراع بطبيعته له أبعاد تخص النوع الاجتماعي،  فهو أيضًا نقطة تحول إذ يؤكد من جديد على الدور الحيوي الذي تضطلع به المرأة في منع نشوب الصراعات وفضها، فضلًا عن إعادة بناء المجتمعات السلمية. ويمكن أيضًا أن تعزى عملية إعادة الإعمار التي لا تراعي منظور النوع الاجتماعي إلى التصورات المجتمعية لأدوار الرجل والمرأة والقوالب النمطية القائمة على النوع الاجتماعي: فالرجال يبنون بيوتًا تقوم النساء بتنظيفها.

وبدلًا من ترسيخ أوجه عدم المساواة والقوالب النمطية الضارة، يمكن لعمليات إعادة البناء أن تتحدى القوالب النمطية الضارة التي تعرقل عجلة التنمية المستدامة، وتخلق فرصًا مجدية لمشاركة المرأة وقيادتها في إعادة الإعمار وما بعدها.

ويبدأ كل ذلك بنهج يراعي منظور النوع الاجتماعي في عملية إعادة البناء لتقييم أثرها على الرجال والنساء والفتيان والفتيات وكفالة أن تُشكّل شواغلهم/ن واحتياجاتهم/ن جوهر مساع الإعمار. ولكن دون وضع مبادئ توجيهية عملية بشأن كيفية إدماج منظور النوع الاجتماعي في إعادة الإعمار، غالبًا ما تضيع فرص زيادة إدماجه على المدى لطويل. إن إزالة الأنقاض عملية تستغرق وقتًا طويلًا يمكن تعجيلها عندما يقدم النصف الثاني من مجتمع غزة أيضًا يد العون. وفي حين عادة ما يتولى الرجال هذه المهمة، فإنها عملية تقنية ويمكن تدريب النساء، شأنهن شأن الرجال، على إدارة مشاريع إزالة الأنقاض. كما يمكنهن المشاركة بشكل فعال في اللجان المحلية لدعم تنفيذ تلك المشاريع. وإلى جانب تشجيع النساء على الخوض في مساع إعادة بناء منازلهن ومجتمعاتهن المحطمة، يمكن للجهات المانحة والتنموية أن تكلف شركات المقاولات المتعاقد معها بتوظيف فرق من الرجال والنساء لإدارة عمليات مختلفة. فعلى سبيل المثال، يمكن لفرق التعبئة المجتمعية النسائية أن تكون مسؤولة عن حملات التوعية بالمخاطر المتعلقة بالمتفجرات من مخلفات الحرب التي تشكل خطرًا كبيرًا على السكان ولا سيما الأطفال. ويمكن لشركات المقاولات أن تبحث عن المهندسات والمعماريات في غزة، ومعظمهن عاطلات، وتوظيفهن. وقد تم بالفعل الإقرار بالعديد من ابتكاراتهن في مجال تحسين الطرق السيئة السمعة في غزة،وبناء المتنزهات، وصنع اللبنات الأساسية من أنقاض الحرب والرماد

وعلى عكس الدمار الذي لا يراعي النوع الاجتماعي واعتباراته، يمكن لعملية إعادة الإعمار أن تأخذ هذا المنظور في عين الحسبان. ومن المهم أن يشارك جميع سكان غزة، نساءً ورجالًا، في عملية إعادة بناء المجتمع. وعند تمكينها، لدى المرأة قدرة هائلة على الإسهام في عملية إعادة التعمير والتنمية.  

إن إشراك المرأة في مسعى يهيمن عليه الرجل من شأنه أن ينفض عنها التحيزات وأن يعترف بماهيتها: عنصر مجتمعي فاعل.