من موقعي هذا: "ينبغي لنا أن نربّي أطفالنا على معتقد أنّ الصحّة الإنجابيّة للمرأة ليست من الموضوعات المحرّمة"

التاريخ:

عتاب بَيّوض، 46 عامًا، أمّ لبنانيّة لأربعة أطفال، كرّست حياتها لرعاية أسرتها. عازمةً على الحصول على الاستقلال المالي والمساعدة في تغطية نفقات أسرتها، عَمِلَت في المؤسّسة الاجتماعية "روف آند روتس"، في جبل محسن في طرابلس، قبيل وإبان بدء إنتاج لوازم نظافة نسائيّة عالية الجودة ومنخفضة الكلفة. تدرّبت عتاب كمُصَنِّعَة وتتحدّث هنا عن عملها وكيفيّة تحدّيها تحريم المجتمع التكلّم على مواضيع الصحّة الإنجابيّة للمرأة.

Itab Bayoud was trained as a manufacturer and worked at a Unit established by the social enterprise Roof and Roots in Jabal Mohsen, Tripoli. Photo: UN Women/Lauren Rooney
عتاب بيوض، التي تدرّبت كمصنّعة للعمل في المؤسّسة الاجتماعية "روف آند روتس"، في جبل محسن في طرابلس. الصورة: هيئة الأمم المتحدة للمرأة

"رمت الأزمة الاقتصاديّة في لبنان بظلالها على سكّانه كافّةً، وكانت أشدّ وقعًا على النساء. مع ارتفاع الأسعار، بات الخروج من المنزل للتنزّه أو شراء الحاجيات غير الضرورية ترفًا لم يعد بإمكاني تحمّله. لم أعد قادرةً على شراء ملابس جديدة لأولادي، أو بعض اللوازم التي يحتاجونها للمدرسة. فبدلاً من ذلك، صرتُ أصبّ تركيزي على تأمين ما يكفي من المال لشراء الطعام. يعمل زوجي بوّابًا، لكن راتبه لا يكفي لتغطية نفقات حاجاتنا الأساسيّة. كم يؤلمني الاستماع إلى أطفالي وهم يطلبون الحصول على أغراض لا يمكنني تأمينها لهم.

تحتّم علينا أن نختصر في الإنفاق لنستمرّ، فاضطررنا إلى الاستغناء عن عددٍ من الحاجات بما في ذلك المنتجات الصحية النسائية التي تستخدم لمرة واحدة  وقد أثّر ذلك الأمر سلبًا على ابنتاي. لم نتمكن من تحمّل تكاليف هذه المنتجات ولاسيّما أنّ أسعارها  تتزايد من دون كلل. في البدء، طلبتُ من ابنتاي أن تضعا الفوط الصحيّة لساعات أطول قبل أن أدرك أنها قد تؤدّي إلى الالتهابات، ثمّ حاولت استبدالها بقطع قماش قديمة إلّا أنّها لم تخلُ من المخاطر المرتبطة بالنظافة.

عندما بدأت الأزمة، تزايد عدد النساء اللواتي بحثن عن وظائف ليساعدن أسرهنّ. لم أعمل قط في حياتي ولم أعتقد أنني قد أحصل على وظيفة لأنّني لا أتمتّع بالمؤهّلات اللازمة. لكن، حين أخبرتني جارتي أنّ مشروع تصنيع الفوط الصحية يوفّر وظائف مدفوعة الأجر، قرّرت أن أحاول الانضمام إلى المشروع. تمّ قبولي في فريق العمل، وتعلّمنا في مرحلة التدريب الأوّلي كيفيّة تشغيل الآلات التي تنتج مختلف أجزاء الفوط وكذلك الخطوات اللّازم اتّباعها لتخزينها بأمان.منحتني هذه الوظيفة الاستقلال المالي الذي لطالما نشدته، كما ساعدتني على الصعيد النفسي، فقبل انخراطي في العمل، كنت يائسةً وألجأ إلى مضادات الاكتئاب. لكن التدريب والعمل أبعداني عن المنزل حيث ساد التوتّر، وعرّفاني على أشخاصٍ جدد.

عزّز الاستقلال المالي ثقتي في نفسي وتقديري لنفسي. كنت أعتقد أنني أعيش من أجل زوجي وأولادي. لكني بدأت الآن أولي اهتمامًا لاحتياجاتي أيضًا. تعرّفت على أصدقاء جدد سيرافقونني مدى الحياة، وساعدني عددٌ منهم، ممّن كانوا يواجهون مشاكل مماثلة لمشاكلي، على إدراك أنّني لست أتخبطّ وحيدةً في هذه الأزمة. بفضل وظيفتي الجديدة، جنيتُ المال وادّخرته واشتريت ثلّاجة لم نكن نملكهاوتمكّنت من إعالة نفسي وأولادي.

أدرك وجود وصم يرتبط بموضوع الدورة الشهريّة والصحّة الإنجابيّة في مجتمعنا. أثناء عملي في تصنيع الفوط الصحيّة، غدوتُ أكثر وعيًا بفقر الدورة الشهريّة ومدى تأثيره على الكثير من النساء. ولسوء الحظ، يخشى معظمهنّ رفع الصوت والتحدّث عن ذلك لأنه يعتبر عارًا.

حين بلغتُ، لم تخبر والدتي والدي ببداية الدورة الشهرية عندي. بدلاً من ذلك، كانت تطلب منه المال "لشراء شيء خاص لعتاب". أنا على اقتناع بأنّ الدورة الشهريّة ليست عارًا. وعلينا تربية أولادنا وبناتنا على معتقد أنّ الصحة الإنجابيّة للمرأة ليست من الموضوعات المحرّمة.

لم أرغب قط في أن أغدو ربّة منزل. كان لدي الكثير من الأحلام وأحدها الدفاع عن النساء والكفاح من أجلهنّ. لطالما حلمت بقيادة حركة نسويّة. وبما أنّني بنيتُ ثقتي بنفسي حديثًا، أعتقد الآن أنه لم يفت الأوان بعد لتحقيق حلمي!"

عتاب واحدة من 20 امرأة تلقَّينَ دورات تدريبيّة حول إنتاج لوازم النظافة الصحيّة في وحدة تصنيع تقودها مؤسّسة "روف آند روتس" الاجتماعيّة في جبل محسن، في طرابلس، بدعمٍ من منظّمة "أكتيد" غير الحكوميّة وهيئة الأمم المتّحدة للمرأة وبتمويلٍ من حكومة اليابان، لتلبية حاجة النساء المتزايدة إلى لوازم نظافة نسائيّة آمنة الاستعمال ومنخفضة الكلفة، في ضوء تدهور الاقتصاد اللبناني وتزايد فقر الدورة الشهريّة. في إطار المشروع نفسه، تم تدريب 100 امرأة أخرى على التسويق. بحلول شهر آذار/مارس 2022، أنتجت المُصَنِّعات دفعة أوّليّة من 13500 عبوة من لوازم الدورة الشهريّة تم بيعها بتوجّه النساء المشاركات في المشروع من منزلٍ إلى آخر، مع توزيع نسبة من الإيرادات على النساء المحتاجات المقيمات في المنطقة.

توضح قصّة عتاب أهميّة تحقيق الهدف الخامس من أهداف التنمية المستدامة بشأن المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة؛ والهدف العاشر من أهداف التنمية المستدامة، الّذي يدعو إلى الحد من التفاوتات في الدخل وكذلك تلك القائمة على العمر أو الجنس أو الإعاقة أو العرق أو الأصل أو الدين أو الوضع الاقتصادي أو غير ذلك.