أسيل العبسي: في مقدمة المسؤولية
النساء اللواتي يقدن المجتمعات
التاريخ:
في جنين، تتحرك أسيل العبسي بين مساحات قد تبدو مختلفة: دورها فيقاعات الجامعة، وجلسات الدعم النفسي والاجتماعي، والعمل المجتمعي، ومقر جمعية المحطة للتمكين والتنمية التي تتولى إدارتها اليوم. بالنسبة لأسيل، تجمع هذه المساحات فكرة واحدة: أن تكون حاضرة عندما يحتاج الناس إلى الدعم.
بدأت رحلتها عام 2019 من العمل التطوعي في المخيمات الصيفية والأنشطة الشبابية والمبادرات المجتمعية. ومن خلال العمل المباشر مع الناس، وجدت في الخدمة الاجتماعية المجال الأقرب إلى رؤيتها للحياة. واصلت دراستها إلى جانب الميدان، فحصلت على البكالوريوس والماجستير في الخدمة الاجتماعية بتقدير ممتاز، وتتابع اليوم الدكتوراه في الإرشاد النفسي والتربوي في جامعة القدس المفتوحة.
ومع مرور الوقت، اتسعت مسؤولياتها. انتقلت من التطوع إلى عضوية الهيئة الإدارية في جمعية المحطة، ثم إلى العلاقات العامة والإدارة والبرامج المجتمعية، وصولاً إلى إدارة الجمعية. وخلال عملها، تعاملت مع نساء معيلات، وأمهات أيتام، وطالبات جامعيات، وأسر نازحة، وأشخاص يواجهون تحديات صحية واقتصادية صعبة.
أكثر ما يبقى في ذاكرتها هو اللحظات التي يساعد فيها تدخل بسيط شخصاً على الاستمرار: أم تتمكن من توفير احتياجات أطفالها للمدرسة أو العيد، طالبة جامعية تحصل على مساعدة كي لا تضطر إلى ترك دراستها، أو امرأة نازحة تجد من يسمعها إلى جانب الاستجابة لاحتياجاتها المباشرة. تقول أسيل: «أحياناً يكون التدخل بسيطاً بالنسبة لنا، لكنه بالنسبة لشخص آخر قد يعني قدرته على إكمال طريقه.»
ومع اشتداد الظروف في جنين ومخيمها، أصبحت الاستجابة للطوارئ جزءاً أكبر من عملها. واجهت الأسر النزوح، وفقدان مصادر الدخل، وعدم الاستقرار المتكرر. واستفادت أسيل من تدريباتها في الدعم النفسي والاجتماعي، وحماية الطفولة، وإدارة الحالات، والاستجابة للطوارئ وإدارة مخيمات النزوح للتعامل مع احتياجات تتغير بسرعة.
كما حمل العمل مخاطر شخصية. تقول أسيل إنها تعرضت للإيقاف من قبل القوات الإسرائيلية في أكثر من مناسبة، وفي إحدى المرات تعرضت سيارتها لإطلاق النار أثناء تقديم المساعدات. جعلتها التجربة ترى مخاطر العمل الميداني بصورة مباشرة. وتقول: «الشجاعة ليست أن أتجاهل الخطر، وإنما أن أتعامل معه بوعي وأن أجد قدر الإمكان الطريقة الأكثر أماناً للاستمرار.»
كانت أسرتها، وخصوصاً والدتها، سنداً أساسياً لها. في لحظات التعب، كانوا يذكرونها بألا تحكم على رحلتها كلها من خلال لحظة صعبة واحدة. وساعدها هذا الدعم على الاستمرار في مسار يجمع بين العمل المجتمعي، والدراسة الأكاديمية، والخدمة العامة.
لا تقيس أسيل القيادة بالمناصب. بالنسبة لها، القيادة تعني العمل إلى جانب الفريق، والاستماع قبل اتخاذ القرار، والحضور عندما تصبح الظروف صعبة. وتقول: «بالنسبة لي، القيادة تعني أن أكون في مقدمة المسؤولية لا في مقدمة الصورة.»
كما تريد للشابات أن يرين أنهن لا يحتجن إلى حصر أنفسهن في هوية أو مسار واحد. الرسائل التي تتلقاها من طالبات وفتيات يقلن لها «إنتِ قدوتنا» جعلتها أكثر إدراكاً لأن تجربتها قد تفتح باباً أمام أخريات. وهي تتمنى أن تُرى المرأة الفلسطينية بصورتها الكاملة: طالبة، وباحثة، وأماً، وعاملة، وضابطة، ومديرة، وقائدة، ومتطوعة.
اليوم، تطمح أسيل إلى إكمال الدكتوراه وتطوير برامج مستدامة للدعم النفسي والاجتماعي والتمكين، خصوصاً للنساء والأطفال المتأثرين بالنزوح والأزمات. ولو اختارت مكاناً واحداً يلخص رحلتها، فسيكون جنين؛ المدينة التي درست وتطوعت وعملت فيها، وتعلمت بين أهلها معنى الخدمة المجتمعية في الميدان.
من المتطوعة التي بدأت بخطوة صغيرة إلى الضابط ومديرة الجمعية وباحثة الدكتوراه، لا تقيس أسيل تقدمها بعدد المناصب، بل بما تتيحه لها تلك المواقع من قدرة على خدمة الناس. تقول: «أنا لا أريد أن تُقاس رحلتي بالمناصب التي وصلت إليها، بل بالأشخاص الذين استطعت أن أترك في حياتهم أثراً، ولو كان بسيطاً.»