مادلين كُلاب: صيادة جعلت من البحر مصدر رزق وكرامة
التاريخ:
نشأت مادلين كُلاب على شاطئ غزة، في عائلة كان البحر بالنسبة لها مصدراً للرزق والبقاء. كان والدها صياداً، ومنذ طفولتها كانت ترافقه إلى البحر مع شقيقها الأصغر، تتعلم أسماء الأسماك، ووزن الشباك، وإيقاع العمل اليومي في الميناء.
كانت مادلين لا تزال طفلة عندما مرض والدها ولم يعد قادراً على الصيد كما كان من قبل. في سن الثالثة عشرة، اتخذت قراراً غيّر مسار حياتها: ستكمل العمل بدلاً منه.
لم يكن القرار سهلاً. فالصيد في غزة مهنة شاقة في ظل القيود الاقتصادية، والحصار، ومحدودية الوصول إلى البحر. كما أنه قطاع يهيمن عليه الرجال بشكل شبه كامل. بالنسبة للكثيرين في المجتمع، لم تكن فكرة أن تعمل فتاة صغيرة في الصيد مألوفة أو مقبولة.
في البداية، واجهت مادلين الاستغراب والانتقاد والشك. قال لها البعض إن البحر “للرجال”، وتساءل آخرون إن كانت قادرة على تحمل الجهد الجسدي والاجتماعي لهذه المهنة. لكنها لم تكن تسعى إلى إثبات نفسها من باب التحدي فقط. كان الأمر بالنسبة لها مسؤولية، ورغيف خبز، وكرامة، ومحاولة لإبقاء عائلتها واقفة.
تعلمت مادلين رمي الشباك وسحبها وإصلاحها، وقراءة حركة التيارات، ومواجهة النوات، وتشغيل القوارب والمحركات وصيانتها في ظروف بحرية صعبة. ومع مرور الوقت، تحوّل الميناء الذي استقبلها بتردد إلى مساحة تعرفها وتعترف بها. كسبت احترام الصيادين ليس بالمواجهة، بل بالمثابرة، والمهارة، وبناء العلاقات.
تقول مادلين: “لم أكن أريد أن أحارب الجميع. أردت فقط أن يروني كجزء من المكان.”
تُظهر تجربة مادلين كيف تدخل النساء أحياناً قطاعات غير تقليدية ليس لأن الطريق مفتوح أمامهن، بل لأن أسرهن ومجتمعاتهن بحاجة إليهن. فقد بُنيت قيادتها من العمل اليومي: من صباحات مبكرة، وشباك ثقيلة، وطقس لا يمكن التنبؤ به، وضغط دائم لتأمين مصدر رزق في ظل ظروف الحصار.
في عام 2013، خطت مادلين خطوة جديدة. من خلال برنامج تدريب وتمكين للنساء، علمت للمرة الأولى أن بإمكانها الحصول على قرض من البنك. كانت تلك لحظة فتحت أمامها تصوراً جديداً عن إمكانية توسيع عملها. حصلت على قرض بقيمة 15 ألف دولار، واشترت قارباً سياحياً، وحولته إلى مبادرة صغيرة لكسب الرزق. أضافت المقاعد، وهيأت المساحة لتستقبل العائلات والأطفال، ولتقدم للناس تجربة مختلفة مع البحر.
بالنسبة لمادلين، لم يكن القارب مجرد مشروع اقتصادي. كان رمزاً للإمكانية. للمرة الأولى، لم يكن البحر فقط مكاناً للعمل الشاق والمخاطر، بل أيضاً مساحة للراحة والفرح، ومصدراً بديلاً للدخل في بيئة تضيق فيها الفرص.
بدأت قصتها تصل إلى خارج غزة عندما التقط لها أحد المتضامنين الزائرين صورة وهي تعمل في الميناء. ساهمت تلك الصورة في نقل قصتها إلى جمهور أوسع، وأبرزت تجربتها كإحدى أوائل النساء الفلسطينيات العاملات في مهنة الصيد.
لكن الحرب في غزة جلبت خسارات جديدة. نزحت مادلين وعائلتها أكثر من مرة. وفقدت والدها، الرجل الذي عرّفها إلى البحر وأدخلها عالم الصيد. كما تضرر الميناء، ودُمّر القارب الذي بنته كمصدر دخل بديل. بقي الدين قائماً، حتى بعدما ضاع القارب.
لم تكن الخسارة مالية فقط. بالنسبة لمادلين، كان القارب يمثل سنوات من العمل والمخاطرة والأمل. وكان تدميره يعني فقدان جسر نحو حياة أكثر أمناً واستقراراً.
ومع ذلك، عادت إلى البحر.
ليست قصة مادلين قصة صمود سهلة أو بسيطة. إنها قصة خسارات متكررة، ومسؤولية ثقيلة، وإصرار على الاستمرار. ما زالت ترى البحر جزءاً من هويتها، لكنه أيضاً جزء من معركة أوسع من أجل الرزق والكرامة والاعتراف.
اليوم، وهي في الحادية والثلاثين، مادلين أيضاً زوجة وأم لخمسة أطفال. في عام 2018، تزوجت من صياد، وبنت معه حياة مرتبطة بالبحر. لم يُبعدها الزواج أو الأمومة عن مهنتها. واصلت العمل، حاملةً مسؤوليات رعاية الأسرة إلى جانب أعباء تأمين مصدر رزق في واحد من أصعب القطاعات في غزة.
يكبر أطفالها اليوم بالقرب من البحر. يتعلمون السباحة، ويحبون البحر كما تحبه أمهم. بالنسبة لمادلين، هذه العلاقة ليست مهنية فقط، بل جزء من تاريخ عائلتها وحاضرها ومستقبلها.
تنتظر مادلين انتهاء الحرب بفارغ الصبر، لتبدأ من جديد في إعادة بناء حياتها المهنية، والعودة إلى العمل إلى جانب زوجها. لا تأمل فقط في استعادة ما خسرته، بل في استعادة مصدر الرزق والكرامة والإحساس بالهدف الذي منحها إياه البحر دائماً.
تريد مادلين أن تُروى قصتها لا كاستثناء، بل كدليل على ما تحمله النساء في غزة يومياً: مسؤولية اقتصادية، ورعاية أسرية، وفقدان وشجاعة، وإرادة على الاستمرار. تريد أن يفهم العالم أن قيادة النساء لا تظهر دائماً في المناصب الرسمية. أحياناً تظهر في امرأة تقف على قارب قبل شروق الشمس، تحمل شبكة، وترفض أن تختفي.تقول مادلين: “أنا لست مجرد صيادة وحيدة على شاطئ غزة. أنا ابنة بحر، أحمل ما تحمله كثير من النساء الفلسطينيات: التعب، والأمل، والإصرار.”
تعكس رحلة مادلين قوة النساء العاملات في الخطوط الأمامية للبقاء وسبل العيش في غزة. فمن خلال الصيد، وريادة الأعمال، والمثابرة، تحدّت الحواجز الاجتماعية، ودعمت أسرتها، وخلقت إمكانيات جديدة في واحدة من أصعب البيئات.
كما تذكّر قصتها بأن التمكين الاقتصادي للنساء يجب أن يشمل النساء العاملات في القطاعات غير الرسمية والخطرة وغير التقليدية؛ النساء اللواتي يسهم عملهن في بقاء الأسر والمجتمعات، حتى عندما يبقى هذا العمل غير مرئي.
بالنسبة لمادلين، يبقى البحر غير مضمون. لكنه يبقى أيضاً مكاناً للعمل، والذاكرة، والعودة.
تقول: “البحر بيعرفني، وأنا بعرف إن الموجة الجاية ممكن تحمل رزقي.”