نحو تعافٍ لا يُقصي أحدًا : إدماج الأشخاص ذوي الإعاقة في الاستجابة الإنسانية في غزة

التاريخ:

الصورة | هيئة الأمم المتحدة للمرأة – سليمان حجي، غزة، 2025 (آلاء طالب)
الصورة: هيئة الأمم المتحدة للمرأة – سليمان حجي، غزة، 2025 (آلاء طالب)

"أحتاج إلى سماعتي الطبية... أحتاج أن أسمع."

بهذه الكلمات تستحضر آلاء، الشابة الفلسطينية من غزة التي تعيش مع إعاقة سمعية، الساعات الأولى للحرب. فمع اشتداد القصف وتسارع العائلات بحثًا عن الأمان، وجدت نفسها عاجزة عن فهم ما يدور حولها.

تقول آلاء: "كنت أرى كل شيء، لكنني لم أكن أسمع شيئًا."

بالنسبة لآلاء وآلاف الفلسطينيين من ذوي الإعاقة، لم تكن الحرب مجرد تجربة نزوح وفقدان ودمار، بل واقعًا ضاعف التحديات التي يواجهونها أصلًا. فقد أصبح الوصول إلى المعلومات، والرعاية الصحية، والمساعدات الإنسانية، والمأوى الآمن، والخدمات الأساسية أكثر صعوبة في ظل استمرار الأعمال العدائية والانهيار الواسع للبنية التحتية والخدمات.

ومع تفاقم الأزمة الإنسانية، برزت الحاجة الملحة إلى استجابة أكثر شمولًا وعدالة، تضمن وصول المساعدات والخدمات إلى الجميع دون استثناء، وتراعي الاحتياجات والحقوق المتنوعة للأشخاص ذوي الإعاقة.

ووفقًا لوزارة الصحة، قُتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين في غزة، فيما تعرّض معظم سكان القطاع للنزوح المتكرر. وبين أكثر الفئات تأثرًا بهذه الأزمة الممتدة، يبرز الأشخاص ذوو الإعاقة الذين يواجهون مخاطر وعوائق إضافية في الوصول إلى الحماية والخدمات الأساسية.[1]

وقبل اندلاع الحرب، كان يعيش في قطاع غزة نحو 58 ألف شخص من ذوي الإعاقة. إلا أن هذا العدد ارتفع بشكل ملحوظ خلال الأشهر الماضية. ووفقًا للدكتور إياد كرنز، مدير مكتب جمعية نجوم الأمل في غزة، يُقدَّر أن عدد الأشخاص ذوي الإعاقة في القطاع قد ازداد بنحو 43 ألف شخص منذ بداية الحرب.[2]

الصورة | هيئة الأمم المتحدة للمرأة – سليمان حجي، غزة، 2025 (آلاء طالب)
الصورة: هيئة الأمم المتحدة للمرأة – سليمان حجي، غزة، 2025 (آلاء طالب)

كما تحملت النساء والفتيات العبء الأكبر من تبعات الحرب وآثارها طويلة الأمد. وتشير التقديرات الحديثة إلى مقتل نحو 38 ألف امرأة وفتاة في غزة بين تشرين الأول/أكتوبر 2023 وكانون الأول/ديسمبر 2025، من بينهن أكثر من 22 ألف امرأة و16 ألف فتاة. كما يُقدّر أن نحو 11 ألف امرأة وفتاة يعشن اليوم مع إعاقات دائمة ستؤثر على مختلف جوانب حياتهن، بما في ذلك فرص الوصول إلى الخدمات والحماية والمشاركة المجتمعية.[3]

وفي مواجهة هذه التحديات المتفاقمة، أصبح التنسيق والعمل المشترك ضرورة لا غنى عنها.

ومن هذا المنطلق، كثّفت هيئة الأمم المتحدة للمرأة ومكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، بصفتهما الرئيسين المشاركين لفريق العمل المعني بالتنوع والإدماج التابع لفريق الأمم المتحدة القطري، جهودهما لضمان إدماج الأشخاص ذوي الإعاقة في مختلف جوانب الاستجابة الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة.

وتحت مظلة فريق الأمم المتحدة القطري، توحدت جهود عدد من وكالات الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني الوطنية لتعزيز البرامج والتدخلات التي تراعي حقوق واحتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة ضمن الاستجابة الإنسانية وجهود التعافي.

وفي هذا السياق، قال أجيث سونغهاي، ممثل مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة:

"نعمل على حشد جهود منظومة الأمم المتحدة لضمان أن تكون البرامج والخدمات والاستجابات الإنسانية أكثر شمولًا للأشخاص ذوي الإعاقة. فالإعاقة ليست قضية منفصلة، بل أولوية ينبغي دمجها في جميع جوانب الاستجابة الإنسانية في فلسطين."

وبدعم من الصندوق العالمي للإعاقة، تم إيفاد مستشار متخصص في شؤون الإعاقة إلى غزة لتعزيز التنسيق بين مختلف الجهات الفاعلة، والتواصل المباشر مع وكالات الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني ومنظمات الأشخاص ذوي الإعاقة والخبراء والأشخاص ذوي الإعاقة أنفسهم.

وساعدت هذه الجهود في تحديد أبرز الفجوات والاحتياجات على أرض الواقع، وتعزيز مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة في تحديد الأولويات الإنسانية والمساهمة في التخطيط لجهود التعافي وإعادة البناء.

كما أسهمت المبادرة في تعزيز قدرات منظمات الأشخاص ذوي الإعاقة لمواصلة تقديم خدماتها في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها القطاع، وساهمت في إعداد أول تقييم شامل من نوعه حول إدماج الأشخاص ذوي الإعاقة في الأرض الفلسطينية المحتلة، بهدف توفير الأدلة والبيانات اللازمة لدعم استجابة إنسانية أكثر شمولًا.

ورغم التحديات الإنسانية الهائلة التي لا تزال تواجه غزة، يبقى إدماج الأشخاص ذوي الإعاقة مسؤولية جماعية وأولوية أساسية لضمان وصول الجميع إلى الحماية والخدمات والفرص على قدم المساواة.

فبالنسبة لآلاء وآلاف غيرها، لا يقتصر الإدماج على السياسات والبرامج، بل يتعلق بالكرامة الإنسانية، وإمكانية الوصول، والمشاركة الفاعلة، والحق في النجاة والتعافي وبناء مستقبل أكثر عدالة للجميع.

ومن خلال تعزيز الشراكات والتنسيق وجمع البيانات وجهود المناصرة، تواصل الأمم المتحدة في فلسطين العمل من أجل استجابة إنسانية أكثر شمولًا، تضع الأشخاص ذوي الإعاقة في صميم جهودها، وتؤكد أن لكل إنسان الحق في أن يُرى ويُسمَع ويُؤخذ بعين الاعتبار.

 

[1] مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، "التحديثات الإنسانية بشأن الوضع في قطاع غزة"، ووزارة الصحة الفلسطينية في غزة. 
[2] جمعية نجوم الأمل، "المنظمات العاملة في مجال الإعاقة في ضوء الحرب على غزة"، آذار/مارس 2024، إفادة للدكتور إياد كرنز، مدير مكتب غزة. 
[3]  هيئة الأمم المتحدة للمرأة، "تكلفة الحرب على النساء والفتيات في غزة"، موجز مناصرة، نيسان/أبريل 2026.