الدبلوماسية من منظورها: ثلاث نساء، ثلاث مسيرات عبر الدول العربية
بمناسبة اليوم العالمي للمرأة في العمل الدبلوماسي، تستعرض ثلاث نساء من فلسطين والمغرب واليمن مساراتهن المختلفة نحو القيادة والتمثيل والخدمة العامة.
التاريخ:
كثيرًا ما تُقرن الدبلوماسية بالمفاوضات والاتفاقيات والاجتماعات رفيعة المستوى. بيد أن وراء هذه العمليات أفرادًا تُشكّل تجاربهم وقيمهم وإصرارهم الطريقةَ التي تتعامل بها الدول مع بعضها، وكيفية تمثيل المجتمعات والبلدان على الساحة الدولية.
في الوقت الذي يحتفل فيه العالم باليوم العالمي للمرأة في العمل الدبلوماسي، تواصل المرأة في الدول العربية مساهماتها في الحوار الدولي وبناء السلام وصنع القرار. تتنوع مساراتهن وتتشكّل وفق سياقات وطنية وتجارب شخصية مختلفة، غير أنها تجمعها رابطة مشتركة هي الالتزام بالخدمة العامة والقيادة. كما تعكس تجاربهن التقدمَ التدريجي، لكن الملموس، الذي أحرزته المرأة في المنطقة في الوصول إلى مواقع القيادة وصنع القرار في الشؤون الخارجية والدبلوماسية.
من مخيم للاجئين في فلسطين إلى المحافل الدبلوماسية الدولية، ومن عقود في الخدمة الدبلوماسية المغربية إلى تعيين تاريخي في واشنطن، تُجسّد قصص السفيرة أمل جادو-شقاعة، وسعادة السيدة فريدة جيدي، والسفيرة جميلة علي راجح الأشكالَ المتعددة التي تُسهم بها المرأة في تشكيل الدبلوماسية عبر المنطقة.
من مخيم عايدة إلى المسرح الدبلوماسي
سفيرة دولة فلسطين لدى الاتحاد الأوروبي وبلجيكا ولوكسمبورغ
السفيرة أمل جادو- شقاعة، سفيرة دولة فلسطين لدى الاتحاد الأوروبي وبلجيكا ولوكسمبورغ
بدأت مسيرة السفيرة أمل جادو-شقاعة في مخيم عايدة ببيت لحم، حيث شكّلت تجارب التهجير والمعاناة والمجتمع إدراكها للعدالة والخدمة العامة.
اليوم، وبوصفها سفيرةً لدولة فلسطين لدى الاتحاد الأوروبي وبلجيكا ولوكسمبورغ، تُمثّل الأصوات الفلسطينية في بعض أكثر الفضاءات الدبلوماسية والسياسية تأثيرًا في العالم.
وحين تستذكر التجارب التي رسمت مسارها، تتذكر مشاهدتها لواقع الحياة تحت الاحتلال، وما رافق ذلك من إحساس عميق بالانتماء والتضامن داخل مجتمعها.
"النشأة في المخيم شكّلت تجربتي؛ تلك الروح الجماعية منحتني إحساسًا راسخًا بالانتماء إلى وطني، ودافعًا وحافزًا للعمل بجدٍّ من أجل التخفيف من الألم والمعاناة. دفعني ذلك حقًا للعمل من أجل العدالة والسلام."
عملت السفيرة جادو- شقاعة خلال مسيرتها الدبلوماسية على تعزيز انخراط فلسطين مع الشركاء والمؤسسات الدولية، وضمان بقاء الرؤية الفلسطينية حاضرةً في النقاشات الدولية وعمليات صنع القرار.
وتعكس مسيرتها أيضًا الدور المتنامي للمرأة في الدبلوماسية والقيادة.
"تمثيل فلسطين وسامٌ أحمله على صدري. إنها ليست وظيفة، بل رسالة أؤديها بكل ما أملكه من قلب."
وللشابات الفلسطينيات الطامحات إلى الخدمة العامة، تُشدّد على أهمية التعليم والثقة بالنفس والعمل الجماعي والالتزام، وتشجّع الأجيال الشابة على السعي نحو القيادة مع الحفاظ على ارتباطها بمجتمعاتها وتطلعاتها.
تُثبت قصتها أن الدبلوماسية لا تقتصر على تمثيل دولة، بل تعني أيضًا حمل تجارب الناس وتطلعاتهم إلى الساحة الدولية.
الحوار والسلام وقوة التمثيل
سفيرة المغرب السابقة لدى السويد والبرازيل وباراغواي
سعادة السيدة فريدة جيدي، السفيرة السابقة للمملكة المغربية
بالنسبة لسعادة السيدة فريدة جيدي، كانت الدبلوماسية التزامًا مديدًا بالحوار والسلام والتعاون الدولي.
في مسيرة حافلة بالإنجازات، تولّت منصب سفيرة للمغرب في السويد والبرازيل وباراغواي، وقنصلةً عامةً في مونتريال، ومديرةً للتعاون متعدد الأطراف في وزارة الشؤون الخارجية المغربية.
وتتأمل دور المرأة في الدبلوماسية قائلةً:
"لطالما اقتنعت بأن الدبلوماسية مهنة تناسب المرأة بشكل خاص."
وقد شهدت خلال مسيرتها تقدمًا ملحوظًا في مشاركة المرأة في الدبلوماسية المغربية؛ إذ تقود المرأة اليوم كثيرًا من السفارات المغربية حول العالم، مما يعكس تطورًا مهمًا في التمثيل والقيادة.
في الوقت ذاته، تُقرّ بأن التحديات لا تزال قائمة. فكثيرًا ما تواجه المرأة في الدبلوماسية تدقيقًا أكبر، وتُضطر إلى إثبات كفاءتها مرارًا، فيما تواصل التعامل مع التوقعات الاجتماعية جنبًا إلى جنب مع مسؤولياتها المهنية.
وقد عزّزت تجربتها إيمانها بإسهامات المرأة في بناء السلام والوساطة.
"تُفضّل المرأة الحوار والتوافق والسعي إلى حلول دائمة. إنها تُسهم في تعزيز السلام والعدالة والتنمية."
وبوصفها عضوًا في الشبكة المغربية للنساء الوسيطات، تواصل النضال من أجل مشاركة المرأة في صنع القرار وعمليات السلام.
ورسالتها للشابات الراغبات في الدبلوماسية واضحة: آمنّ بقدراتكن، وتحلّين بالمثابرة، ولا تدعنّ العقبات تحدّد طموحاتكن.
"لا ينبغي للمرأة أن تُثبت جدارتها أو كفاءتها أكثر من غيرها. فحضورها في الدبلوماسية يُثري صنع القرار ويعزّز الحوار ويُسهم في بناء مجتمعات أكثر عدلاً وسلامًا."
تُجسّد مسيرتها كيف يمكن للخبرة والاحترافية والالتزام أن تُفضي إلى فضاءات دبلوماسية أكثر شمولًا لصالح الأجيال القادمة.
كسر الحواجز في الدبلوماسية اليمنية
سفيرة إستثنائية ومفوّضة فخرية لجمهورية اليمن لدى الولايات المتحدة الأمريكية
السفيرة جميلة علي راجح، سفيرة الجمهورية اليمنية لدى الولايات المتحدة الأمريكية
في أبريل 2026، أصبحت السفيرة جميلة علي راجح أول امرأة يمنية تتولى منصب سفيرة فوق العادة ومفوضة لجمهورية اليمن لدى الولايات المتحدة الأمريكية.
وقد شكّل تعيينها معلمًا تاريخيًا لصالح المرأة اليمنية في الدبلوماسية والقيادة.
على مدى ما يقارب ثلاثة عقود، بنت السفيرة راجح مسيرة تمتد عبر الدبلوماسية والإعلام والسياسة وبناء السلام وحقوق الإنسان. وقد عملت في المؤسسات الحكومية، ومثّلت اليمن في المنتديات الإقليمية والدولية، وتعاونت مع منظمات دولية تعمل في مجال العمل الإنساني وبناء السلام.
وتتجاوز مساهماتها حدود الدبلوماسية التقليدية.
شاركت في مؤتمر الحوار الوطني اليمني، وتولّت لاحقًا منصب نائبة رئيس لجنة التشاور والمصالحة، داعمةً جهود تعزيز الحوار السياسي والتوافق الوطني.
كما كانت من المدافعات الراسخات عن مشاركة المرأة في الحياة السياسية، وكانت في طليعة المؤسّسين لميثاق المرأة اليمنية للسلام والأمن.
وقد حظي تعيينها في واشنطن بتأييد واسع، وعُدّ تجسيدًا لعقود من الخبرة والاحترافية والخدمة العامة.
تُثبت مسيرتها أن القيادة تُبنى بالمثابرة والحوار والالتزام بخدمة الوطن، حتى في أوقات الغموض والتحول.
ومنذ وصولها إلى واشنطن، عملت على تعزيز العلاقات الثنائية، والتواصل مع الجالية اليمنية الأمريكية، ودعم الجهود المتعلقة ببناء السلام والتنمية والتعافي المؤسسي.
من تعز إلى واشنطن، تعكس قصتها الدور المتنامي للمرأة اليمنية في الدبلوماسية والحياة العامة، مُسلّطةً الضوء على أهمية الخبرة والكفاءة والتفاني في القيادة.
نساء يُشكّلن الدبلوماسية عبر الدول العربية
على الرغم من تباين مساراتهن، تجمع هؤلاء النساء الثلاث رابطة مشتركة من الالتزام بالخدمة والحوار والتمثيل.
تُظهر قصصهن أن الدبلوماسية تتجلّى في أشكال متعددة: حمل صوت الشعب، وبناء التوافق، ونشر السلام، أو فتح مسارات جديدة للأجيال القادمة.
في اليوم العالمي للمرأة في العمل الدبلوماسي، تُذكّرنا تجاربهن بأن قيادة المرأة تُعزّز الدبلوماسية وتُثري صنع القرار وتُسهم في بناء مجتمعات أكثر شمولًا وسلامًا.
تواصل المرأة في الدول العربية المساهمة في الحوار الدولي وتأثيرها في السياسات وتمثيل بلدانها بعزم وخبرة ورؤية. وتقدّم مساراتهن مصدر إلهام ليس فقط للدبلوماسيين المستقبليين، بل لجميع العاملين من أجل قيادة أكثر إنصافًا وتمثيلًا.