من التحدي إلى التأثير: زينب وصوت النساء ذوات الإعاقة في ليبيا
التاريخ:
في بنغازي" المدينة التي شكّلت وعيي، واحتضنت أحلامي، وكانت شاهدة على كثير من التحديات التي مررت بها وإصراري على تجاوزها "، نسجت زينب محمود محمد أذياب مساراً استثنائياً، لم تحدده الإعاقة، بل شكّلته الإرادة.
وُلدت زينب بإعاقة في الأطراف العليا، لكنها منذ طفولتها رفضت أن تُختزل في هذا الجانب من حياتها. كبرت وهي تتساءل: لماذا يُنظر إلى المرأة ذات الإعاقة من زاوية النقص بدل الإمكان؟ هذا السؤال لم يكن مجرد تساؤل عابر، بل تحوّل إلى نقطة انطلاق لمسيرة من الالتزام والعمل. " عندما يعيش الإنسان الإقصاء أو يلمس التهميش أو يرى كيف تُختزل قدراته في إعاقته فقط، فإن ذلك يخلق داخله وعياً مختلفاً"
لم يكن انخراط زينب في العمل المدني خياراً نظرياً، بل نتيجة تجربة معاشة. فقد أدركت مبكراً أن النساء ذوات الإعاقة يواجهن تحديات مضاعفة، تجمع بين الإقصاء المجتمعي وضعف فرص المشاركة والتمكين.
بدافع من هذا الوعي، واصلت زينب مسيرتها التعليمية حتى نالت درجة الماجستير في علم الاجتماع سنة 2025، إيماناً منها بأن المعرفة هي أساس التغيير. واليوم، تشغل منصب مديرة مكتب الخدمة الاجتماعية بجامعة بنغازي، وتشغل أيضاً منصب المديرة التنفيذية لمنظمة الميزان لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، إلى جانب كونها باحثة اجتماعية وناشطة حقوقية في مجال حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. تقول زينب " أرى أن رحلتي ليست مجرد مسار شخصي، بل هي تجربة تحمل رسالة أوسع، مفادها أن المرأة ذات الإعاقة يمكن أن تكون فاعلة ومؤثرة وقائدة في مجتمعها إذا أُتيحت لها الفرصة، وإذا آمنت هي أولاً بقدرتها على صناعة الفرق."
نقطة تحول: من متلقية إلى صانعة أثر
" منذ وقت مبكر، أدركت أن الأشخاص ذوي الإعاقة، وخاصة النساء، يواجهن تحديات مضاعفة؛ فهناك تحديات مرتبطة بالإعاقة نفسها، وأخرى مرتبطة بالنظرة المجتمعية، وأخرى مرتبطة بضعف التمكين وغياب فرص المشاركة الحقيقية. هذا الوعي جعلني أشعر بمسؤولية أخلاقية وإنسانية تجاه هذه الفئة، لأن الصمت لا يغيّر شيئاً، أما العمل والمناصرة والوجود في المساحات العامة فيمكن أن يفتح أبواباً جديدة.
العمل المدني بالنسبة لي لم يكن مجرد نشاط إضافي، بل أصبح جزءاً من رسالتي. شعرت بأن عليّ أن أكون صوتاً لمن لا تُسمع أصواتهم بالشكل الكافي، وأن أساهم في نقل قضايا الأشخاص ذوي الإعاقة من هامش الاهتمام إلى مركز النقاش. ومع مرور الوقت، أصبح هذا المسار أكثر وضوحاً بالنسبة لي: الدفاع عن الحقوق ليس فقط مطالبة بالخدمات، بل هو دفاع عن الكرامة، والاعتراف، والمشاركة، والعدالة الاجتماعية. "
شكّلت مشاركة زينب في برنامج هيئة الأمم المتحدة للمرأة "تدريب المدربات حول الحماية الرقمية والتصدي للعنف الإلكتروني ضد النساء والفتيات" محطة مفصلية في حياتها. فبعد أن كانت ترى الفضاء الرقمي كمساحة للتواصل، أدركت أنه قد يكون أيضاً مساحة للعنف والانتهاك، خاصة بالنسبة للنساء اللواتي قد يتعرضن لأشكال مختلفة من العنف والانتهاك والاستهداف الإلكتروني. ومن خلال هذا التدريب، أعادت تعريف السلامة الرقمية باعتبارها قضية ترتبط بالكرامة والخصوصية والحق في الوجود الآمن. لكن التحول الأهم كان انتقالها من متلقية للمعرفة إلى ناقلة لها. فقد نظمت زينب جلسات حوارية ودورات تدريبية للنساء، نقلت خلالها المعارف التي اكتسبتها، وساهمت في تمكين أخريات من حماية أنفسهن في الفضاء الرقمي.
وتقول عن هذه التجربة: "التمكين الحقيقي يبدأ عندما نتحول من متلقين للدعم إلى صانعين له." و تضيف زينب: " عندما قمت بتنظيم جلسة حوارية ودورة تدريبية في بنغازي حول التصدي للعنف، شعرت بفخر كبير، لأنني كنت أنقل تجربة دولية ومعرفة نوعية إلى نساء في الداخل الليبي، وأساهم في تمكينهن بشكل عملي."
القيادة من موقع التمثيل
كما شاركت زينب في العديد من البرامج والمنتديات على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، والتي شكّلت فضاءات أساسية لصقل مهاراتها القيادية وتعزيز حضورها، وأسهمت بشكل مباشر في دعم مسيرتها لتصبح اليوم واحدة من الأصوات النسوية القيادية المدافعة عن حقوق النساء ذوات الإعاقة في ليبيا.
من خلال مشاركتها في برامج هيئة الأمم المتحدة للمرأة حول المرأة والأمن والسلام وجدت زينب مساحة حقيقية لتعزيز دورها القيادي. لم تعد تُعامل كمستفيدة فقط، بل كشريكة في النقاش وصنع القرار. ساهمت هذه التجربة في تطوير مهاراتها في الحوار والتمثيل، ومكّنتها من طرح قضايا النساء ذوات الإعاقة ضمن إطار أوسع يشمل حقوق الإنسان وبناء السلام والعدالة الاجتماعية. وتؤكد: "السلام لا يمكن أن يُبنى بتمثيل ناقص. حضور النساء ذوات الإعاقة ليس رمزياً، بل ضرورة لضمان سلام عادل ومستدام."
امتد تأثير زينب إلى ما هو أبعد من المشاركة في البرامج، حيث ساهمت في مبادرات تطوير وثائق حقوقية مهمة، من بينها وثيقة المرأة الليبية وميثاق حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة اللذان تم دعمهما من فريق الأمم المتحدة في ليبيا. وتواصل اليوم إسهامها في الشأن العام من خلال انخراطها في العملية السياسية التي تيسرها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ضمن مسار الحوار المهيكل ومن خلال تجمع المرأة الليبية المنبثق عن مسار الحوار المهيكل.
تحديات مستمرة… وإرادة لا تتراجع
رغم هذا المسار الملهم، لا تزال زينب تواجه، مثل غيرها من النساء ذوات الإعاقة، تحديات متعددة، من بينها الصور النمطية المجتمعية، وضعف التمكين المؤسسي، وصعوبات الوصول والمشاركة.
لكنها ترى أن التحدي الأكبر يكمن في الحاجز الداخلي:
"أخطر ما يمكن أن تواجهه المرأة هو أن تعتقد أن صوتها لن يُحدث فرقاً."
تحلم زينب بليبيا أكثر عدلاً، تُعترف فيها النساء ذوات الإعاقة كمواطنات كاملات الحقوق، ويكنّ جزءاً طبيعياً من مختلف مجالات الحياة، من التعليم والعمل إلى المشاركة السياسية وصنع القرار.
وتدعو إلى تطوير سياسات وتشريعات تراعي التقاطع بين التمييز المبني على الجنس والإعاقة، وإلى تغيير النظرة المجتمعية من الشفقة إلى الحقوق.
قصة زينب ليست فقط قصة نجاح فردي، بل دليل حي على أن الإيمان بالذات، حين يقترن بالفرص، يمكن أن يتحول إلى قوة تغيير حقيقية, قوة تفتح الطريق أمام أخريات، وتعيد رسم ملامح مجتمع أكثر إنصافاً وشمولاً.