كيف تواجه النساء اليمنيات العنف الرقمي والتحرش عبر الإنترنت – وكيف يتصدين له
مع تزايد الابتزاز الإلكتروني والعنف الرقمي، بدأت النساء في اليمن بكسر حاجز الصمت، والمطالبة بدور أكثر فاعلية لمنظومة العدالة في حمايتهن وضمان حقوقهن.
التاريخ:
تقول عفراء الحريري، المحامية اليمنية والمدافعة عن حقوق الإنسان والمديرة القُطرية لمبادرة مسار السلام: "القوانين التي لا تحمي النساء في الواقع تفشل في حمايتهن في الفضاء الرقمي".
وتتوافق هذه الرؤية مع نتائج موجز جديد لهيئة الأمم المتحدة للمرأة حول العنف الرقمي في الدول العربية. فعلى مستوى المنطقة، أفادت 49 ٪ من مستخدمات الإنترنت بأنهن لا يشعرن بالأمان عند التعرض للتحرش الإلكتروني، فيما أشارت نحو نصف النساء اللواتي تعرّضن للعنف عبر الإنترنت إلى أن هذا العنف امتد ليطال حياتهن الواقعية.
وفي إطار حملة الـ16 يوماً لمناهضة العنف ضد المرأة، تتعاون هيئة الأمم المتحدة للمرأة مع وزارة العدل في اليمن لتعزيز قدرة منظومة العدالة على التصدي للعنف الميسر بالتكنولوجيا، من خلال تحسين آليات دعم الناجيات، ومساءلة الجناة، والحد من الإفلات من العقاب.
كيف تُسهم الوصمة الاجتماعية في تعزيز العنف الرقمي في اليمن
في اليمن، كما في العديد من البلدان الأخرى، أصبحت الفضاءات الرقمية امتداداً مباشرًا لأشكال عدم المساواة بين الجنسين القائمة في الواقع، إذ يواصل التحرش الجنسي والابتزاز والتشهير ملاحقة النساء، مؤثرًا على مختلف جوانب حياتهن الشخصية والمهنية.
وتوضح عفراء الحريري في مقابلة حديثة أعقبت ورشة عمل حول الجرائم الإلكترونية نظّمتها هيئة الأمم المتحدة للمرأة وقادتها بنفسها: " أن أخطر أشكال العنف الرقمي يتمثل في استغلال صور النساء وتهديدهن بنشرها " وتشير إلى " أن الجناة قد يلجؤون إلى استخدام صور حقيقية أو مفبركة بهدف الترهيب والتشهير والابتزاز".
وتسهم الوصمة الاجتماعية في تعميق خطورة هذه الانتهاكات، إذ تؤدي إلى إسكات العديد من الناجيات. حيث تضيف الحريري إلى أن: "الأعراف الاجتماعية التي تُحمِّل النساء وصمة العار في الحياة الواقعية، تُعاد ممارستها ضدهن في الفضاء الرقمي ".
وتواجه كثير من الناجيات بسبب الابتزاز والاحتيال الرقمي ضغوطًا تمنعهن من التقدّم بشكاوى رسمية، بذريعة الحفاظ على ما يعرف بـ "شرف الأسرة". إذ تسهم هذه الثقافة في حماية الجناة وحرمان النساء من سبل الانصاف القانونية. حيث تقول الحريري بأنه: "تُجبر العديد من الضحايا على دفع أموال لا يملكنها، فبعض النساء يقدمن بلاغات أو شكاوى، بينما تلتزم أخريات الصمت خوفًا من الوصمة الاجتماعية والعار."
قصص حقيقية: الأثر المدمّر للعنف الرقمي على النساء والفتيات في اليمن
في مقابلة أجرتها هيئة الأمم المتحدة للمرأة مع شابة يمنية تعمل في مجال بناء السلام، وصفت التأثير الخانق للعنف الرقمي بقولها: "على وسائل التواصل الاجتماعي، يُتَّهم نشطاء السلام اليمنيون بأنهم جواسيس لدول أخرى. في مرحلة ما، قررت التوقف عن نشر أي شيء عن عملي بسبب الهجوم الذي كنت أتعرض له."
وتعاني العديد من الناجيات من الخوف والاكتئاب والعزلة، غير أن الآثار غالباً ما تتجاوز الجانب النفسي. فقد روت صاحبة صالون تجميل في عدن كيف قام أحد الجناة بإنشاء حسابات مزيفة ونشر صور معدلة لها. وخلال أسابيع قليلة، انهار مشروعها واختفى أصدقاؤها، لتجد نفسها في وضع اقتصادي واجتماعي سيء للغاية.
وفي حالات أكثر مأساوية، قد يتحول العنف الرقمي إلى عنف قاتل. ففي إحدى الحالات، أرسلت امرأة هاتفها المحمول للصيانة، فقام الفني بسرقة صورها الشخصية، بما في ذلك صور لها دون حجاب. وبعد أن نشر الصور على وسائل التواصل الاجتماعي، علم زوجها بالأمر وقام بقتلها. ورغم توجيه تهمة القتل للزوج، لم تكن هناك أي مواد قانونية تتيح محاسبة الفني.
وفي حادثة مأساوية أخرى بمحافظة الحديدة، أدت أعمال عنف أسري متواصلة وابتزاز رقمي إلى إقدام فتاة على إنهاء حياتها.
تقول عفراء الحريري:"نادراً ما نجد ناشطة لم تتعرض لشكل من أشكال الإساءة أو التشهير أو الإهانة عبر الإنترنت."
تمكين منظومة العدالة لمواجهة أشكال جديدة من العنف
قبل عدة سنوات، ومع تزايد لجوء النساء الناجيات من العنف الرقمي إلى الحريري طلباً للمشورة القانونية، أدركت أن سبل الانصاف كانت محدودة للغاية. وبالتعاون مع قيادات نسوية أخرى، طرحت القضية أمام مكتب النائب العام في اليمن، ما أسفر عن إنشاء وحدة الجرائم الإلكترونية.
وبدعم من تحالفات نسوية ومهندسي إنترنت، جرى تدريب الوحدة وتجهيزها، وسجّلت منذ ذلك الحين آلاف البلاغات الرسمية المتعلقة بالابتزاز والعنف الرقمي.
ورغم أن ضعف الإبلاغ يعني أن هذه الأرقام لا تعكس الحجم الحقيقي للمشكلة، إلا أن الحاجة باتت واضحة: يجب أن تكون منظومة العدالة في اليمن مستعدة واستباقية. حيث سعت الحريري وشركاؤها إلى توسيع هذه الجهود من خلال تدريب القضاة وأفراد الأمن، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات المسؤولة عن حماية النساء والفتيات.
ولهذا الغرض، صُممت ورشة العمل الأخيرة التي نظمتها هيئة الأمم المتحدة للمرأة حول الجرائم الإلكترونية، واستهدفت أجهزة إنفاذ القانون وأعضاء النيابة والقضاة ومسؤولين آخرين بإدارة الحريري، لبناء قدرات منظومة العدالة على فهم ومنع والتصدي للابتزاز الرقمي، بما في ذلك استخدام أدوات تتبع الجناة وإحالتهم للمحاكمة.
وأضافت يسلم: "ساعدتنا الدورة على التعرف على نقاط قوتنا، وكذلك نقاط الضعف. ونحن الآن ننتقل إلى المرحلة الجادة: كيف نكافح هذه الظاهرة ونرفع الوعي بها في المجتمع وداخل منظومة العدالة."
وأشارت القاضية أنمار سعيد إلى أن هناك حاجة لبذل مزيد من الجهود لتشجيع النساء والفتيات على الإبلاغ عن الانتهاكات الرقمية، موضحةً: "مجتمعنا بشكل عام مجتمع محافظ، وكثير من الناس يخشون الإبلاغ عن العنف الرقمي بسبب العادات والتقاليد. ولهذا تقع على عاتقنا مسؤولية توعية المجتمع بكيفية التعامل مع هذه التهديدات الرقمية."
هيئة الأمم المتحدة للمرأة ملتزمة بفضاءات رقمية أكثر أماناً لكل النساء والفتيات
أكدت الحريري أن على النساء والفتيات السعي إلى الأمان والعدالة للدفاع عن حقوقهن، مشيرة إلى أنها نفسها تعرضت للتنمر والتشهير عبر الإنترنت. وبات بإمكان أي شخص في اليمن يتعرض للعنف الرقمي تقديم بلاغ إلى مكتب النائب العام.
أُنجزت الجهود الواردة في هذا التقرير بدعم وتعاون مؤسسة لأجل الجميع للتنمية واللجنة الوطنية للمرأة في اليمن. وتواصل هيئة الأمم المتحدة للمرأة، بالشراكة مع منظمات المجتمع المدني والجهات الحكومية وناشطات مثل عفراء الحريري، الدعوة إلى تعزيز آليات الحماية، واعتماد استجابات تركز على الناجيات، وسنّ قوانين تعالج العنف القائم على النوع الاجتماعي في اليمن بجميع أشكاله.