نهاد معيتيق: المشاركة ليست امتيازًا، بل مسؤولية لبناء الثقة والسلام المحلي
التاريخ:
طرابلس، ليبيا — منذ أكثر من عقد تعمل نهاد عُمر معيتيق على بناء السلام في مجتمعات متأثرة بالنزاع، إيمانًا منها بأن الحوار هو الطريق الأقصر نحو السلام. تقدم نفسها كمنسقة عمل جماعي يسعى إلى بناء الثقة بين الناس والمؤسسات، وإشراك النساء في مواقع القرار المحلي. كانت جزءًا من حوارات متعددة داخل ليبيا منذ عام 2014، في مرحلة دقيقة من التحولات التي شهدتها البلاد، حيث اختارت أن تجعل الحوار منهجًا للعمل والتقارب بين الناس.
درست نهاد في جامعة بنغازي، ثم تابعت دراساتها العليا في طرابلس، ودرّست الإعلام أكاديميًا إلى جانب نشاطها المجتمعي. في عام 2014 انضمت إلى المجموعة المستقلة لحل النزاعات، لتكون من أوائل النساء اللواتي شاركن في جهود الوساطة المحلية. ومع مرور الوقت، أصبحت وجهًا موثوقًا في النقاشات المجتمعية بمدنٍ مختلفة، تُركّز على القضايا اليومية مثل التعليم والخدمات والإدارة المحلية.
في تلك المرحلة، كان وجود نساء ليبيات في مثل هذه المبادرات نادرًا، لكن نهاد كانت ترى أن غيابهن يُفقد الحوار بُعده الإنساني والاجتماعي. وتقول: " النساء يجعلن النقاش أكثر واقعية، لأنهن يرين الأثر في حياة الناس اليومية".
من هذا الالتزام، وُلدت مبادرة "من أجلكِ ليبيا" التي أسستها نهاد ومجموعة من النساء الناشطات والفاعلات في المجتمع، لتكون منصة تجمع النساء الفاعلات في الحكم المحلي والمجتمع المدني، بهدف توحيد الجهود وتعزيز حضور النساء في مواقع صنع القرار. تركّز المبادرة على بناء شبكة دعم وتواصل بين النساء في مختلف المدن، من خلال شراكات مع البلديات واللجان المحلية، وتشجّع تبادل الخبرات وتنفيذ مبادرات مشتركة تُسهم في التنمية المحلية.
وخلال السنوات الماضية، نظّمت "من أجلكِ ليبيا" سلسلة من اللقاءات التدريبية التي تناولت القيادة، وإدارة الحوار، وآليات تطبيق القوانين المتعلقة بالمشاركة السياسية، مما أسهم في تمكين عددٍ من النساء من الانخراط الفعلي في الشأن العام. تؤمن بأن بناء السلام عملية طويلة تتطلب تطوير أدوات المتابعة والتقييم في المؤسسات المحلية. لذلك تسعى إلى تدريب جيل جديد من القيادات الشابة على مهارات التنظيم، وصياغة المبادرات، والعمل ضمن فرق.
خلال مشاركة نهاد في الحوار السياسي الليبي عامَي 2014–2015، كانت من بين امرأتين فقط ضمن ثمانية عشر شخصية مشاركة في المفاوضات وموقعة على الاتفاق. تستعيد تلك المرحلة وتقول "في وقتٍ كانت فيه أجواء الرفض والشك تسيطر على المشهد، اخترت أن أشارك لأعبّر عن أصوات النساء اللواتي لم يكنّ حاضرات. لم أكن أمثّل كل النساء في ليبيا، لكنني كنت أشعر أن تمثيل مئات أو آلاف الأصوات بشكل صادق في المطالبة بالسلام كان كافيًا ليكون البداية."
وتوضح أن من نتائج تلك المرحلة إدراج بندٍ ينص على إنشاء وحدة تمكين المرأة ضمن هيكل الحكومة المنبثقة عن الاتفاق السياسي. ومع تأخر تنفيذ هذا البند، بادرت نهاد إلى إطلاق خطة بديلة تمثلت في تأسيس "مكاتب دعم وتمكين المرأة" داخل الوزارات عام 2018. وتقول "قررنا أن نبدأ بأنفسنا، وأطلقنا المشروع في مدينة طرابلس، بحضور وزراء التعليم والعمل ووكيل وزارة الصحة، واشترطنا أن تتبع هذه المكاتب الوزراء مباشرة لضمان تأثيرها. اليوم، أصبح المشروع ملكًا لكل الليبيات، لأنه وُلد من حاجتهن إلى أن يكنّ جزءًا من صنع القرار داخل مؤسسات الدولة."
بدعم من هيئة الأمم المتحدة للمرأة، تمكنت نهاد من تحويل فكرتها إلى مبادرة مؤثرة على أرض الواقع. من خلال مشاركتها في البرامج والملتقيات التي نظمتها الهيئة، اكتسبت نهاد خبرات جديدة وأدوات عملية ساعدتها على توسيع نطاق تأثيرها داخل مجتمعها المحلي. تقول نهاد: "ساعدتني هذه البرامج على الربط بين عملي الميداني والإطار الأوسع لأجندة المرأة والسلام والأمن، وعلى تطوير أدوات عملية لتعزيز التواصل بين البلديات والمجتمع وتوسيع مشاركة النساء في الحكم المحلي."
بالنسبة لنهاد، إشراك النساء في إدارة الخلافات لا يعني منافسة الرجال، بل هو تكامل للأدوار بين جميع مكونات المجتمع. وتشير إلى أن النساء الليبيات، خصوصًا في المدن الصغيرة، قدّمن نماذج مؤثرة في التهدئة وحل الخلافات المجتمعية بوسائل بسيطة وفعّالة.
وترى أن هذا الفهم المتوازن هو ما يجعل مشاركة النساء ركيزة أساسية في بناء السلام المحلي، انسجامًا مع مبادئ أجندة المرأة والسلام والأمن (1325).
من خلال عملها، تسعى نهاد إلى ترسيخ وعيٍ جديد بدور المرأة في إحلال السلام المحلي. فالمشاركة النسائية في نظرها ليست امتيازًا، بل ضرورة لتحقيق توازن في صنع القرار. وترفض اختزال أدوار النساء في الجوانب الرمزية أو الاستشارية، مؤكدة أن تمكينهن يبدأ من التعليم والعمل والمشاركة الفعلية في الشأن العام.
ومن خلال مبادرة "من أجلكِ ليبيا"، تعمل نهاد على تدريب الموظفات المحليات على تحسين التواصل مع المجتمع وتعزيز التنسيق بين البلديات ومنظمات المجتمع المدني. وقد أثمرت هذه الجهود عن مبادرات محلية لتسوية نزاعات خدمية صغيرة تحوّلت لاحقًا إلى قصص نجاح أعادت الثقة بين المواطنين والسلطات المحلية.
تستند نهاد في كثير من أعمالها إلى البيانات والتقارير التي تصدرها هيئة الأمم المتحدة للمرأة حول المشاركة السياسية للنساء والقيادة المحلية، والتي تراها "خريطة طريق واقعية يمكن البناء عليها في كل مبادرة".
حين تُسأل عمّا يمنحها الدافع للاستمرار، تقول: "الإيمان بأن الحوار لا يُخسر. قد يتأخر أثره، لكنه يترك أثرًا لا يزول". بهذه القناعة تمضي نهاد معيتيق في مسيرتها، بين قاعات التدريب وغرف النقاش وميادين العمل المحلي، لتمهد الطريق أمام نساء أخريات.
وفي كل مرة تُروى فيها قصتها، يتّضح أن السلام في ليبيا لا يُصنع بالاتفاقات السياسية وحدها، بل بجهود النساء اللوات ينسجن بخيوط الأمل واقعًا أكثر عدلاً وسلامًا، خطوة بخطوة، من أجل وطنٍ يتسع للجميع.