غالية ساسي: تمكين المرأة ليس خيارًا بل شرط للسلام

التاريخ:

غالية ساسي تشارك مع القيادات النسائية في مقر الأمم المتحدة في ليبيا لمناقشة القوانين الانتخابية وضمان سماع جميع الأصوات. الصورة: هيئة الأمم المتحدة للمرأة 2023
غالية ساسي تشارك مع القيادات النسائية في مقر الأمم المتحدة في ليبيا لمناقشة القوانين الانتخابية وضمان سماع جميع الأصوات. الصورة: هيئة الأمم المتحدة للمرأة 2023

طرابلس، ليبيا — لسنوات عملت غالية ساسي في قطاع التعليم قبل أن تبدأ نشاطها المدني عبر قيادة مبادرات مجتمعية، والانخراط كفاعلة سياسية مستقلة في القضايا المتعلقة بالمرأة والدفاع عن حقوقها. وخلال تجربتها، لاحظت أن النساء يساهمن بشكل كبير في مؤسسات الدولة لكن حضورهن في مواقع صنع القرار محدود. وهو ما أظهرته أيضا دراسة هيئة الأمم المتحدة للمرأة حول المرأة الليبية في الوظيفة العامة وصنع القرار واتخاذ القرار (2022) حيث إن النساء يشكّلن 46% من القوى العاملة في المؤسسات الوزارية، بما في ذلك %70 في التعليم و63% في الصحة. ورغم ذلك، يبقى تمثيلهن في المناصب القيادية ضعيفًا.

بعد عام 2011، انخرطت غالية في العمل السياسي عبر أحد الأحزاب السياسية الجديدة، ساعيةً إلى تعزيز مشاركة النساء. لكنها واجهت تحديات مرتبطة بعدم كفاية الأطر القانونية التي يفترض أن توفر الدعم والتمكين للمرأة، وغياب الحماية، والمقاومة الاجتماعية لمشاركة المرأة السياسية. وفي هذا الاطار،  وثّقت دراسة هيئة الأمم المتحدة للمرأة حول المشاركة السياسية للمرأة في ليبيا: نظرة في التشريعات الانتخابية حتى (2023) هذه العقبات نفسها، وأشارت إلى أهمية المجتمع المدني وبرامج التدريب كمسارات لدعم مشاركة النساء.

تقول غالية إن التجربة أكدت لها أن المشاركة السياسية لا تتحقق فقط عبر وجود النساء في القوائم الانتخابية، بل تحتاج أيضًا إلى تمكين اقتصادي وثقة بالنفس ومعرفة بالحقوق. وتشير إلى أن العديد من النساء تراجعن عن الترشح للانتخابات بسبب نقص الحماية والبيئة غير الداعمة.

انطلاقًا من ذلك، بدأت غالية في التركيز على تمكين النساء اقتصاديًا، وأسست مراكز تدريب قدّمت دورات في الخياطة والحاسوب واللغات، ما أتاح فرص عمل أوسع للنساء. توسّع هذا النموذج لاحقًا بدعم دولي وأُعيد تطبيقه في مدن أخرى. بالنسبة لغالية، كان إنشاء هذه المراكز خطوة أساسية نحو تعزيز دور المرأة في الحياة الاقتصادية.  تقول غالية: "أستطيع أن أكون صوتًا قويًا ويدًا تسهم في تحسين واقع النساء وظروفهن".

كما تولت غالية أدوارًا قيادية في المجتمع المدني، حيث تعمل كمديرة تنفيذية لشبكة نساء ليبيا لدعم السلام ورئيسة منظمة "معها" لحقوق المرأة. قادت أيضًا حملة "بثلاثين نبدوها" التي كانت تسعى من خلالها إلى إقرار تشريع يعزز مشاركة النساء في صنع القرار، وتمكنت من جمع 70 توقيعًا من أعضاء مجلس النواب قبل أن تتوقف الحملة بسبب النزاع المسلح في طرابلس عام 2019.

تشير غالية إلى أن مسيرتها حظيت بدعم من هيئة الأمم المتحدة للمرأة، من خلال برامج بناء القدرات حول حقوق المرأة والوساطة، إضافة إلى تعزيز المعرفة حول قرار مجلس الأمن 1325 بشأن المرأة والسلام والأمن. تقول غالية: "المعرفة التي اكتسبتها من هذه البرامج والتدريبات منحتني الثقة للتعبير وربط عملي المحلي بجهود أوسع للتغيير". كما ساهمت أبحاث هيئة الأمم المتحدة للمرأة ودعمها للشبكات والتحالفات النسائية في الحوارات الوطنية في تعزيز دورها كفاعلة مدنية.

وفي عام 2025، بدأت جهود غالية ومنظمات المجتمع المدني وحملة "بثلاثين نبدوها" تُؤتي ثمارها، حيث ساهمت من خلال عملها في الدعوة والمناصرة في إدراج توصية بحصة لا تقل عن 30% للنساء في أي انتخابات قادمة في ليبيا. جاء ذلك نتيجة لتواصلها المستمر مع أعضاء من اللجنة الاستشارية التي شكّلتها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لمعالجة المختنقات السياسية، إذ تضمّن التقرير النهائي للجنة توصية واضحة باعتماد هذه النسبة في المجالس التشريعية. يُعد هذا التطور ثمرة عمل تراكمي منسّق بين ناشطات ومؤسسات مدنية، وخطوة مهمة نحو تعزيز تمثيل النساء في الحياة السياسية الليبية.

 واصلت غالية حضورها في النقاشات الوطنية من خلال مشاركتها في اجتماعات عقدتهم المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في طرابلس، بالتعاون مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة. من بين ما تناولته هذه اللقاءات تطوير مدوّنة سلوك تهدف إلى مكافحة العنف ضد النساء في الانتخابات بالنسبة لغالية، كانت هذه المشاركة امتدادًا لالتزامها بتمكين المرأة، وفرصة للتأكيد على أن حماية النساء من العنف شرط أساسي لضمان مشاركة سياسية عادلة وشاملة.

وفي خطوة تُجسّد الاعتراف الإقليمي بمساهمتها، تم اختيار غالية، بدعم من بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، لتمثيل شمال إفريقيا في حفل إطلاق الكتاب الإلكتروني "هي تدعم السلام" في ويندهوك، ناميبيا، الذي ينظّمه الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة. يسلّط الكتاب الضوء على عشرين امرأة إفريقية كان لهن دور فاعل في بناء السلام داخل مجتمعاتهن، ويُعد هذا التكريم تقديرًا لمسيرتها وجهودها المستمرة في تعزيز السلام وتمكين النساء في ليبيا وخارجها.

وترى غالية أن التقدّم المحقق ما زال هشًا، وأن الطريق نحو الحصول على فرص عادلة يتطلب المزيد من التدريب، ورفع الوعي، وتطوير الأطر القانونية التي من شأنها دعم وصول النساء ومشاركتهن مشاركة فعالة في كل المستويات.