حين تُبحر النساء نحو التنمية: حكايات الصيد والتمكين في بناء اقتصاد أزرق مستدام في المغرب
التاريخ:
فاطمة – حياة بحرية تقودها الرياح
عرفت فاطمة البحر منذ طفولتها المبكرة. وفي سن العاشرة فقط، كانت تساعد أختها ووالدها في سحب الشباك من الماء. واليوم، وهي في الثانية والخمسين من عمرها، أرملة وأم لثلاثة أبناء، تُعد من القلائل في بلدة بليونش الساحلية الصغيرة شمال المغرب ممن لا يزلن يخرجن إلى البحر لممارسة الصيد التقليدي على نطاق محدود.
بصفتها رئيسة لتعاونية "موجة بليونش"، تستيقظ فاطمة قبل الفجر، وترتدي بذلة الغوص، ثم تمشي نحو الشاطئ، تشغّل محرك قاربها الخارجي، وتنطلق إلى عرض البحر.
" قبل أن أُبحر، أرفع إصبعي إلى السماء لأتحسس اتجاه الريح.”
وعلى اليابسة، تفرز فاطمة حصيلة الصيد، وتبيعها، وتصلح الشباك التالفة، وتنقل خبرتها إلى العضوات الجديدات. إنها شخصية قيادية بالفطرة، ولذلك تحرص على أن تجد كل امرأة مكانها المناسب داخل التعاونية.
سناء – ترميم الشباك لبناء حياة جديدة
عندما فقد زوجها عمله، بادرت سناء إلى ترميم الشباك، ومعالجة الأسماك، وابتكار وسائل جديدة لإعالة أسرتها وخلق مصادر دخل إضافية.
وبالاشتراك مع أقاربها، أسست تعاونية "الحوت الأزرق"، المتخصصة في ترميم الشباك، والاستزراع السمكي على نطاق صغير، وتدوير شباك الصيد.
" هذا أكثر من مجرد عمل... إنه شغف أحمله بداخلي.”
في ورشتهن بمدينة مرتيل، تعمل سناء مع زميلاتها على تحويل شباك الصيد المستعملة إلى حقائب ومنتجات يدوية وسلع متينة، ما يعزز الاقتصاد الدائري أي تقليل الهدر وتعظيم استخدام الموارد، ويُسهم في تمكين النساء اقتصاديًا في المنطقة.
إكرام – القيادة النسائية في قلب التغيير
تتولى إكرام ينبور (37 عامًا) رئاسة تعاونية "بصمة البحريات" في مدينة المضيق، والتي تضم أكثر من 13 امرأة. ورغم أنهن لا يذهبن إلى البحر، فإنهن يقمن بتحويل محصول الصيد إلى أسماك معلبة، ووجبات جاهزة، ووصفات تقليدية، تمثل كل واحدة منها ثمرة عمل جماعي.
" تقول إكرام: "عندما نتلقى طلبًا، نجتمع سويًا ونقرر الطريقة الأنسب لتنفيذه.”
بالنسبة لإكرام، تنبع القيادة من المشاركة، والثقة المتبادلة، وتطوير المهارات. وهي تشجّع على العمل الجماعي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على استقلالية كل عضوة في التعاونية.
دعم النساء المساهمات في الاقتصاد الأزرق
من خلال مشروع "دعم الإدماج الاقتصادي للنساء العاملات في قطاع الصيد البحري"، الذي يُنفذ بالشراكة مع الكاتبة العامة المكلفة بالصيد البحري وبدعم مالي من جزر البليار، تُمكّن هيئة الأمم المتحدة للمرأة أكثر من 65 امرأة من العمل عبر ثماني تعاونيات للصيد البحري في جهة طنجة – تطوان – الحسيمة، من بينهن فاطمة وسناء وإكرام، اللواتي يتصدرن جهود التنمية المحلية.
يستجيب المشروع لاحتياجات واقعية تم رصدها ميدانيًا، مثل الأمن الغذائي، وتحسين إدارة الموارد البحرية، وتحديث المعدات، وتعزيز الدور الاقتصادي للنساء في مجتمعاتهن.
في مرحلته الأولى، يزوّد المشروع النساء العاملات في الصيد بتقنيات حديثة، ويُعزز مهاراتهن التقنية والإدارية، ويُدمجهن في سلسلة قيمة مستدامة، مع توفير دعم مخصص لتسهيل فرص الوصول إلى التمويل وتقليص الفجوة الرقمية.
من خلال دعم هيكلة التعاونيات ودمجها في اتحادات، تعمل هيئة الأمم المتحدة للمرأة على إحداث تحول في طريقة مشاركة النساء في قطاع الصيد البحري. فبعد أن كانت العديد من النساء يعملن بشكل فردي أو ضمن مجموعات غير رسمية ذات قدرة تفاوضية محدودة، ونفاذ ضعيف إلى الأسواق، وغياب الاعتراف المؤسسي، يشهدن اليوم عملية تقنين وتنظيم من خلال إرساء هياكل حوكمة واضحة، وتوفير تدريب على القيادة، ودعم لتطوير الأعمال.
ويمثل هذا التحوّل من مبادرات محلية معزولة إلى اتحادات منظّمة نقلة نوعية، تعزز مكانة النساء ليس كمستفيدات فحسب، بل كفاعلات اقتصاديات وقائدات للتنمية المحلية. ويسهمن من هذا الموقع في تعزيز الأمن الغذائي، وتنشيط الاقتصاد المحلي، وتمهيد الطريق أمام أجيال جديدة من النساء للنجاح في قطاعات طالما هيمن عليها الرجال.
بالنسبة لفاطمة، يُمثّل هذا الدعم جسرًا نحو المستقبل:
" سيساعدنا هذا المشروع على تعزيز تعاونيتنا، وتطوير عملنا، والتخطيط للمستقبل."
وبالعمل مع نساء أخريات في قطاع الصيد، تسهم فاطمة وسناء وإكرام في رسم ملامح اقتصادات مجتمعاتهن، ويُلهمن الأجيال القادمة من النساء.