كلمات الدكتورة ثورة يوسف: «رحلتي تجاوزت قاعة الدرس إلى قلب المجتمع»

التاريخ:

Dr Thawra Yousif

عملت الدكتورة ثورة يوسف في السابق أستاذة في قسم الفنون المسرحية بجامعة البصرة، وهي تشغل اليوم منصب نائبة رئيس رابطة لوتس الثقافية النسوية وعضو الشبكة الإقليمية للتنمية ومناهضة العنصرية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كما أنها عضو نشط في الشبكة الوطنية لوسيطات السلام في العراق، وهي منصة رائدة تعيد تعريف دور النساء في بناء السلام وتعزيز التماسك الاجتماعي.

بدعمٍ سخي من حكومة فنلندا، أطلقت هيئة الأمم المتحدة للمرأة، بالشراكة مع الدائرة الوطنية للمرأة العراقية، في أغسطس/آب 2024 عملية إنشاء أول شبكة وطنية لوسيطات السلام في العراق. وتأتي هذه المبادرة ضمن المرحلة الثالثة من البرنامج الإقليمي «المرأة والسلام والأمن في الدول العربية»، تجسيدًا لالتزام الهيئة بتعزيز مشاركة النساء في منع نشوب النزاعات وبناء السلام على الصعيدين الوطني والمجتمعي.

ومن بين 150 مرشحة من 15 محافظة عراقية، اختيرت 100 امرأة للمشاركة في ورش تدريبية إقليمية تَدَرَّبن خلالها على مهارات أساسية في الوساطة وتيسير الحوار. وفي المرحلة النهائية، اختيرت 30 وسيطة متميزة، من بينهن الدكتورة ثورة، لقيادة جهود الوساطة في مجتمعاتهن. ومن خلال ورش متقدمة عُقدت في بغداد وأربيل والبصرة، وبالتعاون مع «المجلس الأعلى لشؤون المرأة»، تلقت الوسيطات تدريبًا على استراتيجيات التفاوض، وأدوات تنمية الذكاء العاطفي، وتقنيات إدارة الضغوط، فضلًا عن مهارات عملية لتعزيز التماسك الاجتماعي والمشاركة السياسية للنساء.

تقول الدكتورة ثورة: «من خلال حلقات العمل، تطورت لدي مهارات تفاوض أساسية، تعلمت كيف أُيَسِّر الحوار بين الأطراف المتنازعة وأقودهم نحو التفاهم دون تحيزات. تعلمت أن أتحلى بالموضوعية، وأن أُصغي بفاعلية، وأن أضمن أن تُسمَع جميع الأصوات. ومن خلال تمارين المحاكاة، أدركت أن الانسجام والتنسيق بين أعضاء فريق الوساطة عنصران أساسيان لتحقيق حلول مستدامة».

بالنسبة إلى الدكتورة ثورة، شكل انضمامها إلى الشبكة نقطة تحول شخصية ومهنية:

«طوال عملي الأكاديمي، كنت أتعامل بشكل أساسي مع الطلبة والزملاء من الأساتذة، لكن ما ميَّزَ انضمامي إلى الشبكة هو أنه فتح أمامي بابًا للتواصل مع فئات أخرى من المجتمع . بدأت أفهم المعاناة اليومية التي يعيشها الناس وأسهم في معالجتها بطرق ملموسة. لقد تجاوزت رحلتي حدود قاعة الدرس إلى قلب المجتمع».

ومن أكثر مبادراتها إلهامًا وتأثيرًا، مبادرة «التلوث والسرطان في نهران عمر» بمحافظة البصرة، حيث تعاني المجتمعات المحلية مستوياتٍ خطيرة من التلوث الناتج عن عمليات استخراج النفط المستمرة.

وبالتعاون مع نشطاء وناشطات بيئيين ومنظماتٍ إنسانية، نظَّمت الدكتورة ثورة حملاتٍ للتوعية بالسرطان، وأهمية الكشف المبكر، والحصول على الدعم النفسي. كما عقدت المبادرة شراكاتٍ مع مستشفى الثقلين لعلاج الأورام، ومستشفى الموانئ العام، ومستشفى ابن غزوان، لتقديم فحوصاتٍ مجانية، لا سيما للنساء الأكثر عرضةً للإصابة بسرطان الثدي والرحم، وللرجال المعرضين لسرطان القولون والبروستاتا.

وفي لحظةٍ مؤثرةٍ على نحوٍ خاص، ألقت ناجيةٌ من السرطان محاضرةً ألهمت الحضورَ بقصةِ صمودها.

«على الرغم من أن كثيرًا من الحاضرين كانوا في مراحل متقدمة من المرض، فقد منحتهم الجلسة ما لا يمنحه الدواء دائمًا: الأمل والتواصل الإنساني. لقد أضفى حضورنا كناشطين مجتمعيين شعورًا صادقًا بالتضامن زاد من أثر الدعم النفسي وجعله أكثر عمقًا».

وفي ختام الجلسة، قالت إحدى المريضات للدكتورة ثورة:

«كانت هذه الجلسة بالنسبة لي تعادل جلسة علاج كيماوي»، في إشارة إلى أن الشفاء لا يبدأ فقط في المستشفيات، بل في القلوب، وفي قوة التماسك المجتمعي الذي تصنعه النساء وتبقي عليه.

تجسد قصة الدكتورة ثورة الطريقة التي تُعيد بها هيئة الأمم المتحدة للمرأة تعريفَ بناء السلام في العراق والمنطقة العربية، من خلال انخراط النساء في صميم عمليات الوساطة والحوار وجهود الوقاية من النزاعات. ومن خلال إنشاء الشبكة الوطنية لوسيطات السلام في العراق، تزود الهيئة النساء بالمهارات والأدوات التي يحتجن إليها لمواجهة التحديات المجتمعية الملحة، وتعزيز التماسك الاجتماعي الذي يربط بين السياسات الوطنية والواقع المحلي. هذه المبادرة الريادية لا تُعيد رسم مستقبل بناء السلام في العراق فحسب، بل تُسهم أيضًا في تعزيز أصوات النساء بوصفهنّ قوى دافعة للصمود، والتعافي، والإصلاح الاجتماعي المستدام.